كنت نائماً علي الأريكة
أقرأ رواية للكاتب الكبير هنري جيمس حين سرح عقلي بعيداً عما كنت أقرأه ليسبح بي في ذكريات سوف تزداد جمالاً كلما مر عليها الزمن .. منذ أربعة أعوام
تقريباً و في تمام الثانية صباحاً , كنت أجلس في شرفة شقتي في الساحل
الشمالي أتصفح مجلة رياضية أتابع فيها تقريراً عن الدوري الانجليزي لكرة
القدم , و بينما أنا مسترخ في مقعدي أقلب صفحات المجلة لفت انتباهي منظر
السماء . في تلك الساعة المتأخرة من الليل كانت السماء تعج بالنجوم التي
تلمع و تتلألأ عازفة موسيقي ساحرة للعين المتأملة في جمال خلقها .. لم أدر
كم فات من الوقت و أنا جالس أحملق و أتأمل في سماء الله و النجوم التي تظهر
لي كنقاط بيضاء في ورقة سوداء رغم ضخامة حجمها الحقيقي .. ظللت أفكر ..
هذه النجوم البراقة سيأتي عليها يوم و تخفت و تموت كما يموت كل مخلوق من
مخلوقات الله .. حتي الشمس , و هي عامل مهم في قيام حياتنا , سيأتي عليها
يوم تصبح فيه مجرد جسم معتم لا أهمية له .. كل هذا يحدث بتدبير و تقدير
الله عز و جل الذي جعل لكل شئ قدراً .. و بينما أنا هكذا , تذكرت فكرة أن
ما أقوم به و أفعله دون أن أدري انما هو عبادة من العبادات التي يؤجر عليها
العباد .. عبادة التأمل و التفكر في خلق الله .. و حين خطرت ببالي هذه
الفكرة , تحول نظري الي السماء الي تأمل يصحبه تسبيح بعظمة الله و قدرته ..
فصارت العبادة عبادتين .. تسبيح و تأمل .. حينها قلت لنفسي "كيف يسهر من
شغفتهم نار الحب بالساعات - كما يقولون - يعدون نجوم الليل؟" .. ما الفائدة
من عد النجوم ؟؟ .. هل ستجلب لهم حظاً سعيداً ؟؟ . هل ستقرب لهم حبيباً ؟؟
.. بالطبع لا .. انما هو جهل بنعمة التأمل و التفكر في ملكوت الله التي
وهبنا الله اياها و جعلنا نؤجر عليها . حمدت الله علي أنني لا أفعل ذلك
الفعل الغريب و شكرته علي نعمه و هدايتي لتسبيحه.....
فرغ عقلي من
استرجاع هذه الذكري الجميلة و لكنه لم يهداً , بل انتقل بي الي ذكري أخري
لا تقل جمالاً عن سابقتها .. كان يوم من أيام أجازة نهاية العام الدراسي
الصيف الماضي و كنت جالساً في ساعة متأخرة من الليل في شرفة شقتي بالساحل
الشمالي أيضاً أستمتع بتأرجحي علي أرجوحة تتأرجح بي الي الأمام و الي الخلف
معيدة الي أذهاني صورة أمي و هي تدفعني وقت أن كنت طفلاً علي أرجوحة أعلو
بها و أنخفض و أنا في قمة السعادة .. كنت أجلس أتحاور مع أحد أصدقائي عبر
الانترنت و دار بيننا حوار عادي عن كيفية قضاء الأجازة و مدي استمتاع كل
منا بها .. و بعد أن انتهي الحوار , انتبهت لشئ كان موجوداً طوال الوقت و
لكن انشغالي بحواري مع صديقي حال دون انتباهي له .. تلقائياً وجدت نفسي
أتوجه بنظري تجاه البحر الذي لا أراه و لكني أعلم جيدأ أنه موجود هناك في
تلك البقعة التي أنظر اليها .. أدركت أن الشئ الذي حرك انتباهي وقتها هو
صوت الموج الذي يبدأ خافتاً ثم يعلو صوته تدريجياً حتي تنتهي رحلته علي
الشاطئ .. موجة تليها موجة تليها موجة .. موج يعزف ألحاناً تطرب الآذان و
تنافس في روعته ألحان عمر خيرت و موزارت .. سبحان الله .. بحر أزرق جميل
يلعب الأطفال و يمرحون علي شاطئه بالنهار يتحول ليلاً الي مكان مخيف لا
يقترب منه أحد , و لكن حتي و نحن بعيدون عنه نستمر في الاستمتاع به و لكن
بطريقة أخري عبر صوت أمواجه الساحرة .. استغرقت في جلستي هذه أستمع لأصوات
الأمواج و هي ترتطم بالشاطئ مغمضاً عيني حتي لا يشغلني عنها شئ آخر , و لم
أحرك ساكناً حتي أخرجني آذان الفجر من عالم التأمل الذي كنت أعيش فيه ..
قمت لأتوضاً و صليت الفجر ثم ذهبت الي النوم و أنا في حالة نشوة و سعادة
بهذا الوقت الجميل الذي أنعم الله عليّ بقضائه .. و فجأة امتدت يد الي كتفي
و سمعت صوت أبي يقول لي "قم يا بني لتصلي العشاء" ........... انتهت رحلة
عقلي في بحر الذكريات الجميلة المحفورة في ذهني و عدت الي عالم الواقع مرة
أخري , و لكن بالتأكيد ستكون هناك رحلات أخري أعود فيها الي أوقات لا تنسي و
لحظات لا تتكرر كل يوم